الحلبي

350

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عيسى بعد نزوله يوحى إليه ؟ فأجاب بنعم ، وأورد حديث النواس بن سمعان الذي أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم . وفيه التصريح بأنه يوحى إليه . قال : والظاهر أن الجائي إليه بالوحي جبريل قال : بل هو الذي يقطع به ولا يتردد فيه ، لأن ذلك وظيفته وهو السفير بين اللّه تعالى وبين أنبيائه ، لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة ثم استدل على ذلك بما يطول . قال : وما اشتهر على ألسنة الناس أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو شيء لا أصل له ، وزعم زاعم أن عيسى إنما يوحى إليه وحي إلهام ساقط قال : وحديث « لا وحي بعدي » باطل ، أي ويدل له ما رأيته في كلام بعضهم : جبريل ملك عظيم ورسول كريم ، مقرب عند اللّه ، أمين على وحيه ، وهو سفيره إلى أنبيائه كلهم ، وسماه روح القدس ، والروح الأمين ، واختصه بوحيه من بين الملائكة المقربين . قال : ورأيت في بعض التواريخ أن جبريل نزل عليه صلى اللّه عليه وسلم ستا وعشرين ألف مرة ولم يبلغ أحد من الأنبياء هذا العدد ، واللّه أعلم . وفي أسباب النزول للواحدي عن علي رضي اللّه تعالى عنه « لما سمع النداء : يا محمد قال : لبيك ، قال قل : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، ثم قال قل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : الآيات 2 - 4 ] حتى فرغ من السورة » : أي فلما بلغ « ولا الضالين ، فقال : قل آمين فقال آمين » كما في رواية وكيع وابن أبي شيبة وجاء في حديث قال بعضهم إسناده ليس بالقائم « إذا دعا أحدكم فليختم بآمين ، فإن آمين في الدعاء مثل الطابع على الصحيفة » وفي الجامع الصغير « آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين » أي خاتم دعاء رب العالمين أي يمنع من أن يتطرق إليه ردّ وعدم قبول . ومن ثم « لما سمع صلى اللّه عليه وسلم رجلا يدعو ، قال قد وجب إن ختم بآمين » . فأتى صلى اللّه عليه وسلم ورقة فذكر له ذلك ، فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر ، فإني أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم ، فإنك على مثل ناموس موسى ، وإنك نبي مرسل ، وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك ، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك . أقول : هذا لا يدل للقول بأن الفاتحة أول ما نزل ، وعليه كما قال في الكشاف أكثر المفسرين ، إذ يبعد كل البعد أن تكون هذه الرواية قبل نزول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] ثم رأيت عن البيهقي أنه قال فيما تقدم عن أسباب النزول ، هذا مرسل ورجاله ثقات ، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ والمدثر : أي والمدثر نزلت بعد يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) [ المزمّل : الآية 1 ] . ثم رأيت ابن حجر اعترض ما تقدم عن الكشاف بقوله : الذي ذهب إليه أكثر